الأبعاد والرهانات التاريخية في رواية الملك يموت مرتين

الأستاذ والكاتب عبد الرحيم زيكوك.

 أستاذ متخصص في حقل الفلسفة.

“التاريخ لا يهمّ المؤرّخ وحده، بل يهمّ الناس ككلّ.”

– عبد الله العروي

إن قراءتنا لهذا النصّ الرّوائي الذي أصدره المبدع والمترجم المغربي أحمد الويزي مؤخّرا[1]، لن تعير كبير اهتمام للبعد الفنّي التجريبي للرّواية، اللّهم التوقف في ومضات برقيّة سريعة عنده، بقدر ما سينصب اهتمامنا أكثر على محاولة الكشف عن رهان المسارات “الفكرية”، التي تفتح الرواية أفق التفكير فيها أمام كلّ متمعّن، يستمتع بمنطوقها الأدبي، وينصت لأبعادها الدّلالية. كما أننا سنحاول جهد الإمكان تأويل محكيها، ومقارنته براهننا. فما هي هذه الأبعاد إذن، التي تكشف عنها الرّواية؟ وفي ماذا تتجلى أبرز رهاناتها الحكائية؟ ثمّ هل تغيّر شيء ما في تاريخ المغرب الرّاهن، منذ تلك اللحظة التي عالجتها رواية الملك يموت مرّتين [2]؟

نثير انتباه القارئ إلى أن هذا النص الإبداعي ينتمي إلى صنف الرواية الحديثة، إذ هو رواية داخل رواية، يقدّمه صاحبه على أنّه ترجمة تخييليّة لنص قديم يحمل ذات الوسم، كتبه أديب فرنسي مُتخيّل يُدعى جون بيير هانس، لا أثر له في ريبرتوار الكتابة الرّوائية الفرنسيّة، الأمر الذي أفضى بالمترجم أخيرا الى اعتباره مجرّد قناع لشخص لا يريد الظهور علنا بوجهه الرّسمي لعلّة من العلل. إلا أنّ هذا الإجراء لا يعدّ في المحصلة الأولى والأخيرة سوى مجرد حيلة ماكرة من نسج خيال الأستاذ أحمد الويزي، أتحفنا بها ليجعلنا نقدِم على قراءة عمله الأدبي بمتعة، لعلّنا نجد فيه ما يفيدنا ويشحذ عقولنا، فننكبّ على التعرّف من جديد على مجتمعنا. فهو بهذا عمل يبتغي المساهمة في قراءة بعض اللحظات الشّاردة من تاريخنا الحديث، للانخراط في تجربة الحفر في الذاكرة الجماعيّة، والخروج بالتالي من دائرة الظلام إلى رحابة النور، وفق ومضة عميقة سبق أن أشار إليها الشاعر الألماني غوته، عندما قال: “من لا يعرف دروس الثلاثة آلاف سنة الماضية، يبقى في العتمة”. ومن ثمّة، تجعل هذه المقولة من المعرفة التاريخية ضرورية لكل تقدّم، ينشده الفرد لمجتمعه.

وقبل الغوص في منطوق الرّواية ومسكوتها، ومحاولة تتبع سيرورة أحداثها التي هي في الحقيقة مسارات أفكار وتأويلات، لابد من التأكيد على أهمية الرّواية التاريخية وراهنيتها للمغرب والمغاربة اليوم. لكن، إذا كان عنصر الصّدق الواقعي/الموضوعي هو الذي يشغل بال المؤرخ، فإنّ عنصر الاحتمال التخييلي هو ما يهمّ كل رواية تاريخية، ما يجعل المزج بين الأمرين في نص واحد، مناسبة لتحقيق الفائدة المعرفية، وضمانة لاستثارة المتعة الأدبية أيضا. فالكاتب الذي يجعل روايته مطبوعة بطابع تاريخين دون التفريط في البعد الرّوائي، كما هي حال رواية الملك يموت مرتين، لا يتخذ التاريخ مركزا يقتل الهامش الروائي والفكري، وإنما يجعل من سيرورة أحداث عمله مسارات لأدب ممتع، ومناسبة لمطارحة أفكار ثاوية وراء السّرد؛ إذ كلّ حدث من أحداث هذا النص نجده غنيا بالدلالات، ومفتوحا على تأويلات عدّة يروم مجملها المصاغ بسجلاّت لغوية مختلفة، وفق نظرية مخائيل باختين حول الرّواية، البحثَ في مسألة الجذور المؤطّرة للأحداث، وتسليط الضوء على ملابسات حصولها بالضبط، والتساؤل حول السّبب أو الأسباب التي أفضت الى حدوثها، بدل وقوع غيرها من سلسلة الأحداث الأخرى الممكنة. ومن ثمة، إدراك مقصدية تلك الوقائع، والكشف عن رهاناتها الأساسية.

إن ارتباط التاريخ بالتخييل يجعل الأول مجرد وسيلة لفتح آفاق التفكير كي يسمح بحرية التأويل، بينما يصير الثاني حافزاً يحرك رغبة القارئ في مواصلة التهام النص بكل متعة وعشق، لاسيما إذا كان الكاتب يعي أهمية التعريف بالماضي، للإمساك بخيوطه المتحكمة في حاضرنا، كما يدرك أنّ هذه المهمة غير متوقفة على المؤرخ فقط، وإنّما هي مسؤولية الفنان والأديب أيضا لقدرتهما على التخييل، ولحيازتهما على مقدّرات الخيال التي يمكن أن يملآ بها عددا من الفراغات والبياضات، التي يتركها المؤرّخون نهب النسيان أو التناسي. يقول كاتب روايتنا، كاشفا عن معرفته بخرائط العمل الرّوائي ضمن تربة التاريخ: “إذا كان التاريخ في أبسط تعريفاته رواية لما حصل، بالاعتماد على خطوط وملامح نصف حقيقيّة، فإنّ الرواية بدورها تاريخ لما كان متوقع الحصول، اعتمادا على ذات الخطوط والملامح!” (ص 20).

لقد اختار الأستاذ أحمد الويزي إذن، “قناع” الترجمة التخييليّة كخلفية لنصه الإبداعي، الذي يجد انتماءه في صنف الرواية التاريخيّة، ما يجعلنا نتساءل معه: هل استطاع المترجم/الكاتب النّفاذ إلى عمق الرّواية التاريخيّة “الأصليّة”؟ وإلى أي حد نجح في التفاوض مع النص “الأصلي” للتاريخ؟ وإذا كانت الترجمة/الكتابة لا تقول كل شيء، فما هذا الذي قالته بالذات، هنا؟ أو بتعبير آخر: ما هو محكي هذه الرّواية باعتبارها ترجمة تخييليّة لتاريخنا الحديث؟ 

تتحدث الرواية عن مسار حياة بطل مركزي: روبير هاس، وهو صحافي فرنسي من أصول جزائرية، قادته رغبة البحث عن المجد والتألق إلى المملكة الشريفة سنة 1907، قبل أن ينتهي به المطاف أخيرا إلى سجن “لاسانتي” بفرنسا سنة 1937. ومن خلال هذا الصّحفي، يعود بنا المؤلّف الأصلي للكتاب إلى تاريخ المغرب، سواء في شقه السياسي، أو في أبعاده الثقافية والاجتماعية أيضا. كما يسافر بنا الكاتب إلى العوالم الداخلية للبطل، عبر مذكراته تفيض بمنسوب الحنين والتأمّل، الى جانب هوامش وتعليقات وحواشي يقدّمها المترجم/الكاتب كي تضيء بعض القضايا والأحداث أو المفاهيم، الى جانب ثلّة منتقاة من مقالات وتحقيقات ترد في ملحق الرّواية، لتصير مفتوحة على أفق التأويل المتعدد[3].

 

ففي ذروة الحمّى المنذورة للبحث عن المجد، يخوض روبير هاس تجربة السّفر من الجزائر إلى فرنسا، ثم منها إلى المغرب، يحذوه أمل في تحقيق نجاح شخصي في عالم الصّحافة، عن طريق كتابة تحقيقات وتقارير حول الوضع المغربي بشكل خاص. لذلك، ساقه هذا البحث المحموم عن النجاح المهني الى معاينة ما جرى في مدينة الدار البيضاء، التي تعرضت لقصف غاشم سنة 1907، ومواكبة ما يتعلق بعمليات تنزيل بنود مؤتمر الجزيرة الخضراء، في أفق إرسال بعض تقارير ومتابعات إلى جريدة “لوتان” التي يشتغل فيها، قصد إحاطة الرأي العام الفرنسي والأطراف المهتمة بمستجدات المسألة المغربية. ولم تكن هذه أول عملية يقوم بها روبير هاس خارج فرنسا، وإنما سبقتها عملية أولى تولّى فيها بعث بضعة تقارير ضافية عن نجاح الجيش الفرنسي في عمليات استتباب الأمن بالجزائر وتونس. إلا أن إغراءات الوضع في المملكة الشريفة، التي ظلّت عصية عن الاقتحام لردح من الزمن، أغرته بركوب صهوة المغامرة، بعد اقتحام الجيوش الفرنسية لوجدة والدار البيضاء، تحت ذريعة استتباب الأمن؛ وهو ما يُستفاد منه أنّ فرنسا جعلت من شعار “الحفاظ على السلم والأمن في المنطقة”، كما جعلت من قيم الحداثة  والتقدم، مطية لها كي تبسط النّفوذ على كافّة هذه البلدان، وتسويغ إعلان الحرب داخليا لإسكات الأصوات المحتجة والمندّدة بسياستها التوسّعية.

“لقد اختار الأستاذ أحمد الويزي إذن، “قناع” الترجمة التخييليّة كخلفية لنصه الإبداعي، الذي يجد انتماءه في صنف الرواية التاريخيّة، ما يجعلنا نتساءل معه: هل استطاع المترجم/الكاتب النّفاذ إلى عمق الرّواية التاريخيّة “الأصليّة”؟” 

 

– عبدالرحيم زيكوك.

 

وقد كان لفرنسا ما أرادته في المملكة الشريفة، عندما أقدم بعض الأهالي بمراكش على قتل الطبيب الفرنسي إميل موشان سنة 1907، وهو الحدث الذي استغله صحافيونا بدوره لتدبيج مقالاته النّارية بكثير من الحماس والإدانة لمن سمّاهم بـ”الأوباش”، بل تجاوز الأمر إدانة الأهالي إلى محاكمة السلطان نفسه، وتقديمه للرأي العام على أنه المسؤول الأول والأخير على غياب الأمن في البلاد. يقول روبير هاس: “لم أتوقّف عند ذلك الحدّ وحسب، وإنّما حاكمتُ سلطان فاس الذي ترك مثل هذه المصيبة تحل بواحد من خيرة أهالينا” (ص 53).

تجدر الإشارة إلى أن لحظة اغتيال الطبيب موشان بتهمة التجسّس، كانت في عهد السلطان مولاي عبد العزيز الذي ارتبط اسمه لدى الأهالي بالضّعف والتبعية للغربيين/النّصارى، إذ لم يكن هدف هذا السلطان في نظرهم سوى البحث عن إرضاء نزواته المتعطّشة للمُتع، وإغراق البلاد كلّها في القروض والديون التي يتمّ صرف جانب كبير منها في ملذاته، وليس في الاستثمارات التي من شأنها أن تعود على الأهالي بالنفع. كل ذلك،  يعد بمثابة تعبيد للطريق أمام الأجانب للسيطرة على البلاد، انطلاقا من بوابة أشغال توسيع حوض ميناء الدار البيضاء، إضافة إلى تنفيذ مشروع السكّة الحديدية الصّغيرة الرّابطة بين روش نوار والميناء. فهذه الإجراءات جميعها عجلت بغضب الأهالي، وكان على على رأس هؤلاء قبائل أولاد زيان وامزاب والشّاوية، ما أفضى بالجميع إلى ارتكاب مذبحة فظيعة في حق بعض الأجانب، لثني الدّول التي بعثت بهم الى العدول عن استكمال الأشغال، الأمر الذي أدى إلى تدخّل البحرية الفرنسية بعنف، وتدمير الدار البيضاء ضمن ما بات يُعرف تاريخيا باسم قصف سنة 1907. فقد كان هذا القصف مهولا ومدمّرا، خلف وراءه خسائر ماديّة وبشرية جسيمة، مثلما يصوّر روبير هاس في الرّواية، ليبدأ بعده الاستعمار الفعلي للمغرب.

وباعتبار أنّ الثقافة السائدة في بلدنا هي ثقافة فقهية، يعوزها الوعي السياسي والتاريخي بما قد يترتب عن أي رد فعل من مآسي، فقد نفذ الأهالي هجومهم دون تخطيط مسبق، ولا خطة استراتيجية واضحة، مثلما يلاحظ الصحافي الفرنسي في الرواية، بل انساقوا فقط وراء خطاب عاطفي مشحون بدفق ديني. يتساءل روبير هاس في أحد تقاريره، قائلا: “من ينكر أنّ المغربي لا يحتاج في العادة إلا إلى إمام كيفما كان، لينساق وراءه مندفعا إلى جهنم دون أدنى تفكير أو احتراز؟ هذا شيء مؤكد. وهو شيء لا يميز المغربي وحده، و إنما العربي أيضا !”(ص 113). هذه النظرة تثبتها الوقائع اليوم من داخل المشهد السياسي، حيث تسيطر الأطراف المحسوبة على الإسلام السياسي، التي تعزف على وتر الدين عزفا متهافتا، يوقّعه بعض الفقهاء والأئمّة ممّن يظهر على جلبابهم أو دشاديشهم أنّهم مدافعون عن الحق الذي يدفع بالجماهير نحو تزكية البؤس، والدفاع عنه وتبريره!

إن مشاعر غضب المغاربة كانت مستعدّة إذن لذلك الشّحن الديني، إثر عودة الوفد المغربي بحصيلة مخزية من مؤتمر الجزيرة الخضراء. ما جعل بعض القبائل ترفض سياسة السلطان مولاي عبد العزيز، الذي أغرق البلاد والعباد في الأزمات، إذ إن شرعية السلطان في نظر الفئات الممثلة للشّعب متوقفة على ما يحققه من غايات محددة: وهي الدفاع عن استقلال الوطن، وعدم تسليمه للقوى الأجنبية المتمثلة أساسا في المؤسسات الاقتصادية والمالية. فكلما حصل خضوع السلطان واستسلامه للضغط الخارجي، كلما انتفضت القبائل للتعبير عن غضبها واستيائها من سوء التسيير والتدبير.

تعلّمنا رواية الملك يموت مرّتين بأن عودة الوفد المغربي من مؤتمر الجزيرة الخضراء صفر اليدين، تصرّح أساسا بكون الاحتلال آت لا محالة. لذلك توزع الفرنسيون إلى تيارين كما يشير مترجم الرّواية: أحدهما يرى ضرورة اقتحام المملكة الشريفة بنهج خيار سلمي، بينما الثاني يناصر ضرورة الاختراق العسكري المباشر. وقد جسّد هذا التيار الأخير الاتجاه الكولونيالي، تحت مبرّر يربط بين استقرار أوربا المرتهن بالقضاء على “الرعاع المتوحشين” بالقوة والعنف.

وبما أنّ الإعلام عنصر فاعل في أي تحرك سياسي أو عسكري، فقد انظم روبير هاس إلى جوقة الحرب في البداية، فأخذ يغازل ودّ الجهات المناصرة للغة الحديد والنار، بعيدا عن أخلاقيات الصحافة المرتبطة أساسا بالحياد. وتتجلى عدم حياديّة بعض المحسوبين على الإعلام الأجنبي وقتها، في ما أقدم عليه روبير هاس من تغطية لأحداث البيضاء، إذ نجده صمت في كثير من الأحيان عن الانتهاكات التي ارتكبتها عساكر فرنسا في حق الأهالي.

بعد قصف الدار البيضاء، وإصرار فرنسا على الاختراق العسكري للمملكة، بدل الإبقاء على الخيار السلمي، بويع مولاي احفيظ سلطانا بديلا عن أخيه مولاي عبد العزيز، الشيء الذي أسال لعاب روبير هاس للظفر بلقاء صحافي مع هذا السلطان الجديد. لذلك، انتقل في رحلة البحث عن المجد إلى مراكش عبر موكادور، يحركه في كل ذلك شغف اللقاء الموعود مع السلطان، والاقتراب من دائرة دار المخزن. يقول: “لعليّ أنحت لمساري خطا جديرا به في رقعة الشطرنج الجديدة، من شأنه أن يقودني رأسا إلى مربع الملك” (ص 49).

هذا الطموح سيتحقق لصحفينا، بعد أن خاض مغامرة لم يساعده في ذلك سوى الطائفة اليهودية بالمغرب، ما يشير إلى قوة هذه الطائفة وارتباطها بدار المخزن منذ عهد السلطان محمد بن عبد الله، الذي قرّبهم إليه كمستشارين ماليّين (تجّار السّلطان). وتقريب هذا السلطان للطائفة اليهودية بموكادر تحديدا، يعود أساسا لكونهم قلة لن تطمح لمنافسته سياسيا، علما أن أغلبية هذه الطائفة ظلّت تُعاني الأمرّين، كلما اتخذت لنفسها مُستقرا بعيدا عن دار المخزن. ولعلّ ما يؤكّد هذا، هو ما تعرض له هؤلاء من مذبحة في بلدة إفران، التي تقع بالأطلس الصغير، كما ذهبت إلى ذلك الرواية (ص 162).

لقد تحقّق اللقاء بالسلطان مولاي احفيظ بعد جهد جهيد في مدينة مراكش، وأجرى روبير هاس الحوار معه بصحبة زميله كريستيان هويل، قُبيل التنقّل من جديد إلى فاس. عبر هذه الرحلات (خاصة الرحلة من البيضاء إلى مراكش عبر موكادور)، نكتشف مع الصحافي عددا من القضايا السياسية والاجتماعية والثقافية والاقتصادية، التي ميّزت مغرب بداية القرن العشرين. فهي رحلة تمدّنا بفهم الذهنيات والخصوصيات الثقافية والمجتمعية للإنسان المغربي، في تلك المرحلة. كما تُحيطنا علما بآليات خوض الصراع والتنافس بين البلدان التي تتربص بالمغرب، وكيف أن فرنسا تضايقت من اعتماد اللغة الانجليزية بين تجار موكادور، فسارعت إلى التعجيل ببناء المدارس والتركيز على التعليم كأداة إيديولوجية، لتنفذ من خلالها إلى روح الأهالي واقتحام العقول والنفوس، تمهيدا منها للسيطرة السياسية والعسكرية والاقتصادية. وعليه، ألا يحق لنا التساؤل اليوم، عن خلفيات النقاش الإيديولوجي الدائرة رحاه في المغرب، حول لغة التدريس؟ ثمّ ألا يحق لنا التساؤل أيضا عن دور وأهمية التمدرس داخل البعثة الفرنسية، وأهميته بالنسبة لفرنسا الأمّ، وهو التمدرس الذي يسعى الى صناعة نخبة جديدة، تسهر على حماية مصالح هذا البلد على أرض المستعمرة القديمة، يمكن تسميتها بنخبة المحميّين الجُدد الذين يعيدون إنتاج ما أنتجه أجدادهم المحميّون، خلال القرن 19 وبداية القرن 20 في المملكة؟

“تعلّمنا رواية الملك يموت مرّتين بأن عودة الوفد المغربي من مؤتمر الجزيرة الخضراء صفر اليدين، تصرّح أساسا بكون الاحتلال آت لا محالة.”


– عبدالرحيم زيكوك.

إن اللقاء الذي جمع روبير بالسلطان مولاي حفيظ، جعل اسم الأول يقترن فرنسيا بهذا السلطان، لسبب بسيط هو أنّ هذا الصّحافي سيطرح أسئلة ملغزة ومخاتلة بصدد موت السلطان المفاجئ (موته البيولوجي)، وسيشير بنوع من الحيلة الى اتهام الدولة الفرنسية بضلوعها في هذه القضية، فاستُغل هذا الأمر لاعتقاله، واتهامه بالخيانة العظمى (كمواطنه السّابق دريفيس!)، باعتباره قلما مأجورا لدى جهات خارجية (ألمانيا). لذلك، ظلّ يتساءل البطل باستغراب: “هل المساعدة في كشف الحقيقة خيانة؟” (ص 136)؛ وهو الأمر الذي يُفيد بأن الصحافة مُسيجة بخطوط حمراء حتى في الدول التي كانت مهد القيم المناصرة للحرية، فما بالك بمجتمعاتنا التبعية، وهذا ما نستشفه أيضا من قول الأستاذ لومير، محامي روبير هاس: “ثمة خطوط حمراء دائمة، في بعض اللحظات العصيبة التي تمر بها الدولة” (ص83).

 كان روبير هاس يستهدف بتمسكه بضرورة لقاء الملك، إلى جانب تحقيق حلمه ومجده الشخصي، تزويد مختلف المهتمين بالمسألة المغربية، “مبررات خروجه (مولاي احفيظ) عن الشرعية، وموقفه من التعهدات التي التزم بها أخوه الأصغر اتجاه فرنسا وإسبانيا…” (ص 248). إلى جانب معرفة موقف السلطان الجديد من موقف السلطان من الجهاد، لاسيما بعد أن أبدى الرأي العام المغربي رغبته في خوض الجهاد ضد النصارى، وهي الرغبة التي استغلها السلطان دون العمل على تفعيلها، طمعا في الحصول على تزكية الفقهاء واستمالتهم رغم استنزاف ذلك لخزينة الدولة “حرب استمالة العلماء و الشرفاء مستنزفة !.. العلماء في هذا البلد بطن يبلع، ولا يشبع!” (ص154)؛ وهذا راجع بالأساس إلى كون الحكم دينيا وليس مدنيا، ما يضطر السلطان في المملكة إلى استغلال الدين دعما لسلطته المطلقة، التي تشمل حتى التحكّم الرّقاب والنّفوس، إذ “السلطان في الدولة المغربية سلطان على الأرض والنفوس” (ص 274). ما يفيد أن الحاكم قد يسمح لخدامه بدغدغة المشاعر والتصريح بما يريد الشعب سماعه، دون تجاوز ذلك إلى الفعل، الشيء الذي يبين طرق المكر والخداع، التي تلجأ إليها السلطة لضمان تأييد الحكم، خاصة أن السلطان مولاي احفيظ قد ظهر في الحوار الصحافي، يجنح إلى السلم أكثر من جنوحه إلى المواجهة. فحديث السلطان عن الجهاد إذن، إنّما هو حديث نابع من إدراكه العميق بأن المغاربة لن يقبلوا بحكمه إلا إذا لجأ إلى القوة، خلافا لأسلوب أخيه الأصغر. إنّ هذه الومضة تذكّرنا بما أشار إليه البطل روبير هاس في مذكراته، حينما أورد على لسان أحد الأهالي الإشارة التالية: “المغاربة لا يرتاحون إلا لمن كانت عصاه غليضة… ففقهاؤنا حسموا المسألة حين قالوا: من اشتدت وطأته، وجبت طاعته” (ص 275). إنّ القوة والقمع بهذا المعنى، أمران مترسّخان في ذهنية الشخصية المغربية، ما يستدعي ضرورة تحديث وعي الناس، وتربيتهم على أن الحكم الذي ينبغي الإشادة به هو ذاك الذي يتأسس على الحق، وليس على القوة. هذا ما يفسر اليوم تمجيد الناس لمن يقمع، وليس من يحاورهم!

لقد أدرك روبير هاس بأن اعتلاء مولاي احفيظ العرش أربك حسابات فرنسا، التي كانت تراهن على ميول مولاي عبد العزيز الى حياة الترف واللعب، كبوابة لاستغلال خيرات المغرب. لذلك سارعت لإنهاك السلطان الجديد، وإرغامه على توقيع معاهدة الحماية سنة 1912، بعد مفاوضات دامت شهورا طويلة. ولم تكتف فرنسا بفرض الحماية على البلاد فحسب، وإنّما دفعت به دفعا إلى التنازل عن العرش لمدة 25 سنة (الموت السياسي)، وألزمته بالإقامة الجبرية بليل دوفرانس خلال تلك المرحلة، وهي مدة تم الاتفاق حولها مع السلطان ضمن وثيقة احتفظت بها لنفسها، ولا يُسمح لأي كان بالإطلاع عليها؛ إلا أنّ فرنسا لم تحترم بنود تلك الوثيقة، ما يؤكد مرة أخرى بأن هذه الدولة الاستعمارية لا تلتزم بوعودها، كما لا تعير أي احترام لبنود اتفاقياتها. الأمر الذي يطرح علينا سؤالا راهنيا: هل فرنسا فعلا صديقة للمغرب والمغاربة؟ وحديثنا عن فرنسا هنا ليس حديثا عن فرنسا قيم الأنوار، بل فرنسا الاستغلال الاقتصادي والثقافي المناصرة لقضايا الفساد في بلدها، كما هي الحال في قضية ستافيسكي  التي أوردها كاتب النص في الرواية، رغبة منه في توجيه نظرتنا إلى تناقضات الوضع الداخلي الفرنسي، الذي يأتمر بعض بني جلدتنا بأوامر مثل هؤلاء!

لقد تسلم السلطان الجديد مقاليد الحكم إذن، في ظل وضع متأزم ومضطرب، أمنيا واقتصاديا وسياسيا جراء التدبير السيء لأخيه الأصغر، الذي أغرق البلد في المديونية. فما أشبه الأمس باليوم، كأننا نعيش اختراقا سلميا للمغرب من جديد، حينما يتم الخضوع لإملاءات البنك الدولي، والالتزام بالإصلاحات والتدابير التي تقترحها مؤسسات اٌراض العالمية، دون إخضاعها للمساءلة والنقد، لمعرفة انعكاساتها السلبية على البلاد والعباد.

إن فرنسا لم تنهج أسلوب إثقال ميزانية البلد بالديون فقط، بل كثف حزبها الكولونيالي من مناوراته للإطاحة بالحكم، من خلال خلق الفتن وبؤر التوتر لاستغلالها لصالحه، وبالضبط “حركة الجيلالي بن عبد السلام الزرهوني، الذي يعرف عند سائر المغاربة بالروكي بوحمارة” (ص 249). إلى جانب اعتماد سياسة خلق بؤر التوتر في المغرب، ارتأت فرنسا اللجوء إلى خلق صداقات واستقطاب لبعض الأهالي من فئة المحميّين وشيوخ الزوايا والقبائل، لاستعمالها كأداة لإنهاك المخزن. ما يفيد أن فرنسا تستثمر لفائدتها، في الأزمات التي عرفها المغرب. فما أدرانا اليوم، أن أسلوب تعاملها مع بعض القضايا الحساسة في المغرب المعاصر، تمدد أجل حلها لإرهاق البلد، بغية الاقتيات على أوجاع الشعب؟ بل ماذا لو تساءلنا عن صدق نواياها في كل ما تقترحه على المغرب من إصلاحات، سياسية كانت أو غير سياسية، لاسيما أن بعثاتها التربوية بالمغرب لا تُسميها سوى وسائل الضغط والتأثير في القرارات السياسية والمصيرية للبلد، كي تضمن استمرارية نفوذها. فالنخبة التي تشبعت بثقافة فرنسا وبنزعتها الاستغلالية، لن تفكر سوى في مصالح أولياء نعمتها، دون الاكتراث للقضايا الحقيقية التي تقض مضجع الشعب.

إن الحديث عن دور النخبة بالمغرب، خاصة تلك المتشبعة بالقيم الكونية بـ”نكهتها” الفرنسية، سواء المنتمية للطائفة اليهودية أو المحسوبة على الإسلامية، أو تلك التي تعارض المخزن معارضة راديكالية، أغلبها نُخب لم تلعب دورا كبيرا في المساهمة في نهضة المغرب وتنوير البلاد و العباد، لأن أغلبها لا يُفكر سوى في الاستفادة من خيرات الوطن و الهجرة من ثمة إلى الخارج، أو التآمر ومحاولة “الإطاحة بالنظام، دون إنقاذه ولا إصلاحه!… والمغاربة ضيّعوا الكثير من الفرص مع التاريخ” (ص 296). تُعد هذه النظرة نقدا لاذعا للنخبة المغربية، بل إدانتها وتحميلها مسؤولية تضييع الفرص مع التاريخ. إن النخبة المغربية بهذه المعنى لا تؤدي دورها عن طريق التفكير في سبل النهوض بأوضاع المجتمع، خاصة أصحاب الثروة الذين يتهربون من أداء الضرائب أو يتخاذلون في استثمار أموالهم لتحقيق التنمية عن طرق خلق فرص الشغل لأبناء الشعب. ويعبر السلطان المنبوذ عن ذلك بقوله “إذا كان المخزن الشريف محروما من مدخول أبناء البلاد المحميين، الذين يأكلون الغلة ويسبون الملة، مثلما يقول عندنا المثل الشعبي، فالأولى أن ترهن سيادة البلاد إلى حين، لدى من يحمون هؤلاء الأثرياء!” (ص 297). وكأن المغرب يضيع في كل مرة، فرصة التغيير. فإذا جاز لنا الحديث بلغة كرة القدم نقول: “من يُضيع الفرص تُسجل في مرماه الأهداف”. ومن ثمة، يخسر المقابلة/ الرهان. فإن الكاتب أحمد الويزي يكتب هذا العمل الإبداعي من أجل تنبيهنا، وتوجيه نظرتنا إلى كثرة الفرص التي يتم تضييعها. فالأمم التي لا تقرأ تاريخها، تكرر نفس الأخطاء، وهو ما يحتم عليها بالتالي، ضرورة امتلاك وعي تاريخي صحيح نفسها وتاريخها، للاستعداد الجيد لخوض معركة كسب الرهان، عن طريق التأهب لتكوين نخبة قادرة على  “التهديف” واستغلال الفرص استغلالا عقلانيا سليما، حتى لا يأتي بحدوز [4] آخر في عالم السياسة، ويسجل الهدف ضدنا، فنضيع بسببه معركة بناء الوطن!

إذا كان هذا النص الإبداعي للكاتب أحمد الويزي ممتعا، فإنّه لا ينبغي أن يُفهم على أن غاية الكاتب هي الإمتاع الأدبي عبر التشويق التاريخي، وإنما جعل هذا وسيلة فقط ليعبث لنا رسالته، التي هي عبارة عن محاولة فتح مسارات تفكيرنا في عدد من القضايا والأسئلة، التي تقض مضجع كل من يحمل همّ التفكير في سبل الانعتاق، والانخراط في التجربة الكونية. ولن يتأتى هذا الرهان، إلا بالانكباب على تشريح جسد المجتمع الذي ننتمي إليه، أو الذي وجدنا أنفسنا بين تناقضاته وإشكالاته. فبدل الاستسلام لشروط وضعنا، وجب التحلّي بالشّجاعة للمعرفة، والجرأة على اقتحام مجاهيل التاريخ.

وبالجملة، فإن رواية الملك يموت مرتين رواية إمتاع وإفادة، تجعل من رهانها الأساسي إخضاع مرحلة مهمة من تاريخ المغرب للتشريح، بغية الوقوف على أسباب بعض الأعطاب والأدواء التي يعاني منها جسد الأمة المغربية الآن/هنا، خاصة وأنّ مجمل أحداث الرّواية مرتبطة بمرحلة حاسمة، هي نهاية مرحلة حكم السلطان مولاي عبد العزيز، وبداية حكم السلطان مولاي احفيظ. ومن ثم، يراهن الكاتب على مسألتين اثنتين: الأولى تصحيح الإشاعة التي ألصقت بالسلطان مولاي احفيظ، والقائلة إنه “باع البلاد والعباد بخمسمائة ألف فرنك” (ص 12)، وبالتالي تحميله لوحده مسؤولية خضوع المغرب لفرنسا؛ إذ نستنتج من منطوق الرّواية أن سلطان الجهاد وجد المغرب غارقا في الأزمات، التي يصعب عليه حلها، دون مساهمة جادة وفعالة من كافة الأطراف والنخب السياسية الثقافية والاقتصادية المغربية. ألم يكتب هذا السلطان المنبوذ ذات يوم، مذكرة دفاعه عن نفسه التي وسمها بعنوان: “داء العطب قديم”، في محاولة منه للتنبيه إلى ضرورة البحث عن أصل الداء الذي ابتلي به المغرب، والكشف العميق عن جذوره الضاربة في الأرض وبين العباد، بدل الاكتفاء بتضييع الوقت والجهد في تقديم وصفات علاجية، تستهدف تتبع أعرض الداء فقط. أما المسألة الثانية التي ينبه إليها الروائي في هذا العمل الإبداعي فهي في نظرنا، البحث في قضية النخبة الوطنية، ودورها في تضييع فرصة التحرر الحقيقية، سواء منها النخبة اليهودية التي ضاعت منّا، أو النخبة المغربية المغرّبة عنّا التي لا تتعدى ثقافتها الإطار الفقهي، دون الإطلاع على ثقافة الغير في بعدها الكوني. ما يُفيد أن هذا العمل الإبداعي، هو في عمقه مساءلة ودعوة للنخبة الوطنية لتضطلع بأدوارها كاملة، كي لا نخلف مرة أخرى موعدنا مع التاريخ. ومن ثم، نتساءل في علاقة بقضية مذبحة إفران، التي أشار إليها الكاتب في الرواية إشارة عابرة، لكنّها دالّة: هل تعافى اليهود كليا من جراء ما لحقهم من أذى من طرف بعض الأهالي المسلمين، أم ليس بعد؟ وكيف نطلب ممن كان لاوعيه التاريخي جريحا، أن يساهم في نهضة البلاد؟ وما السبيل لاستفادة الوطن من كافّة أبنائه، بمختلف انتماءاتهم الدينية والإثنية والإيديولوجية؟ أليس الحل هو التفكير في تعاقد اجتماعي جديد، في “الدولة التعاقدية” التي من شأنها إنقاذ ما يمكن انقاذه، قبل انهيار جديد يشمل كلّ شيء؟!

Authorized to be published by the article author in person: Abderrahim Zikouk.

[1]  ـ الملك يموت مرتين: أحمد الويزي، المركز الثقافي العربي، الطبعة الأولى، 2019، بيروت الدار البيضاء.

[2]  ـ تتحرك أحداث الرواية بين فترتين زمنين اثنين: الأولى محصورة بين 1907/1908، وهي المرحلة التي زار فيها الصحفي روبير هاس المملكة الشريفة لأول مرة، واتصل بسلطان الجهاد مولاي عبد الحفيظ. والثانية تبدأ من 1937 الى  ما بعد بقليل، وهي الفترة التي تنكتب خلالها الرواية، وتحيل زمنيا الى السنة التي توفي فيها مولاي عبد الحفيظ بن الحسن العلوي، وسجن على إثرها بطل الرواية روبير هاس بتهمة ملتبسة دبّرت له، بعد أن أشار في بعض مقالاته الى أن موت هذا السلطان كان من توقيع مؤسسة الحكم الفرنسية.

[3]  ـ نقرأ في الملحق المقالات الثلاثة الآتية: يهود موكادور: رهان الأمس واليوم والغد، المغاربة والكيف؛ محمي من درجة مجرم!…

[4]  ـ بحدوز لاعب مغربي سجل ضد مرماه، في مقابلة جمعت بين المغرب وإيران في كأس العالم 2018 بروسيا، في آخر دقائق المباراة!